أنا حقيبة

 

أخيرا نفضوا الغبار عني بعد سنوات طويلة كنت أشغل فيها رفا مهملا في قبو بيتهم…

أخيرا سيخرجونني من تلك الظلمة الحادقة، هنا حيث دمّرني الملل وأنا أسمع أصواتهم من بعيد، أسمع نباح كلب ولا أعرف أين يكون، أهو كلبهم أم كلب الجيران؟

أخيرا سيخرجونني من رطوبة هذا القبو لأفتح عيناي في النور…

أنا هنا أجلس منذ 5 أو 7 سنوات، لا أدري… فطول الأيام أنساني العدّ وقد اعتدت العيش هكذا، بطني فارغ وأنا أشمّ رائحة طعامهم تأتيني من بين أحجار القبو..

أخيرا سيخرجونني من رطوبة هذا القبو لأفتح عيناي في النور…

أذكر فقط أنّ ابنهم اشتراني لأرافقه في رحلة قصيرة الى قبرص… أذكر متعة السفر والشمس على الرغم من ثقل أغراضه في داخلي. ولكنّي أذكر أيضا أنّ هذه الشمس لم أراها سوى لساعات قليلة، فقد كنت رفيقته فقط في المطار، بعدها تخلّى عني ليتم الدخالي في غرفة مظلمة، مع عشرات حقائب السفر… أذكر كيف رفضت تلك الحقيبة الحمراء الغالية الثمن الحديث معي أو لمسي حتّى، وأذكر تلك الحقيبة السوداء اللامعة التي أخبرتني تجاربها الطويلة في رحلاتها مع رجل أعمال… لقد أخبرتني أنّها ملّت السفر وترغب بالاستقرار!

هي ملّت السفر، وأنا لم يكن لي سوى تجربة واحدة… تجربة سياحية! فماذا ينتظرني هذه المرّة؟ والى أين ستكون وجهتي؟

هل سأركب الطائرة مرّة جديدة؟ ذاك العامل رماني بقسوة في المخزن! لا أريده أن يلمسني مجددا!

هل سأذهب في البحر؟ ربّما أشعر بالدوار، فأنا لم أجربه من قبل!

هل سأقابل حقائب جديدة عاشت حياة شبيهة بحياتي أم حقائب جاءت من مختلف البلدان، تحكي عشرات اللغات، ولكل منها قصص مختلفة؟

أفكّر في ما اذا كانت تلك الحقيبة السوداء اليوم قد حققت أمنيتها في الاستقرار أم أنّها لا تزال مرغمة أن ترافق رجل الأعمال! ولكن عن أي استقرار كانت تحدثني؟ هل كانت تقصد رفّا كمثل هذا الذي أعيش عليه؟!

هل سأذهب في البحر؟ ربّما أشعر بالدوار، فأنا لم أجربه من قبل!

ربّما نعم! ربّما لن تكون رحلتي بالمتعة التي أتوقعها! فأنا لست متأكدة أصلا اذا كنت سأشارك ابنهم في رحلة سياحية جديدة مع أصحابه. أم سأكون مع ابنتهم وأضطر أن أحمل خزانتها كاملة في داخلي، فساتينها ومساحيق التجميل! أم ربما تكون وجهتي هذه المرة غربة طويلة ولن أرى هذا الرف مجددا ولا أسمع أو أشمّ الروائح نفسها!

ولكن مهلا.. ربّما يكون بطني اليوم فارغ، ولكني حتما مرتاحة أو فلنقل مستقرة، على حسب تعبير تلك الحقيبة السوداء.

ربمّا يكون نوع الأقمشة التي صنعت منها رخيص الثمن، ولكنّه يتناسب مع هذا القبو وهذا البيت! ربّما لوني ليس المفضّل عند الكثيرين ولكنّ من اقتناني  أحبّني، وهو ما وضعني في الشمس ليحفظ لوني!

لست أدري ان كان عليّ أن أفرح أو أحزن، أشعر بالحيرة… عشرات الأسئلة تدور في ذهني ولا أجد لها اجابات!

قد لا أرتاح بعد اليوم! فأنا صرت أنتمي الى هذا الرف، فيّ من رائحة هذا القبو! أنا شاركت هذا البيت لحظاته السعيدة والحزينة، فهل سأحمل هذه المرّة صورا قليلة لبعض هذه اللحظات وأذهب الى غير عودة؟

لقد سقطت عليّ قطرات من دمع ربّة المنزل وهي تمسح الغبار عنّي… لقد أرعبي هذا الشعور! أسمع نبضات قلبها تدقّ بحزن شديد وأسمعها تتمتم كلمات لا أفهمها… لا أعرف اذا كان ما يزعجها فراقي، أم كمية الغبار التي تغطيني!

أنا لا أريد أن أكون حقيبة…

إنّها المرّة الأولى التي بدأت أعشق فيها ما يسمونه ظلمة، وأتمسك بهذا الرف القديم وكأنّي متجذرة فيه!

أنا لا أريد أن أعيش تجربة تلك الحقيبة السوداء… أنا لا أريد أن أكون حقيبة… أكبر أحلامها أن تصبح خزانة!

(Visited 64 times, 1 visits today)