خيار ولبنة

الغربة صعبة”، هي جملة صغيرة عادةً ما نسمعها من أهلنا والاشخاص من حولنا. لكن الغربة غريبة أولاً، خصوصاً في حالة الانفصال المزدوج. فالهجرة من بلد عربي الى بلد أوروبي، للوهلة الأولى مزعج وغريب قبل التأقلم.

لبنى علي، شابّة سوريّة الجنسيّة من اللّاذقيّة، وصلت الى مدينة “ليون” الفرنسيّة، من حوالي السنتين بمنحةٍ لاكمال دراستها في جامعة “ليون 2” في علم التواصل والمعلومات. انتقلت من الحارات والدكاكين، الى الشوارع العريضة ومحطّات المترو.

الغربة صعبة، هي جملة صغيرة عادةً ما نسمعها من الاشخاص من حولنا

“في أوّل ثلاثة أشهرٍ لي في المدينة رفضت توضيب ثيابي في الخزانة، نوع من رفض الوضع الّذي وقعت فيه وهو “عدم العودة”. لا يمكنني أن أعود الى سوريا، وترك ثيابي في الحقائب كان يعني أنّه يمكنني أن أعود حينما أشاء”.

تتضارب مشاعرها حول عدّة أمور. خلال اللّقاء جلسنا بجانب النهر في ليون، نتحدّث باللغة العربيّة وبالامور الطبيعيّة الّتي تخترق أي حديث بين شخصين قريبين بشكلٍ كبير، محاطين بكلّ ما هو غريب عنهم. حالة تفرض على الاشخاص المعنيين، الجاهزين لاستكمال رحلتهم الحياتيّة بعد نجاتهم من موتٍ محتّم، الى فصل ماضٍ معيّن، تعليقه في مكانٍ ما في الذاكرة، والبدء بكتابة حكاية جديدة، نصممها بالقدر المستطاع بالشكل القريب الينا في المكان الغريب عنّا.

صورة لكريستينا بطروس

“اسمي صعب بعض الشيء في اللّغة الفرنسيّة. لكن ليس أسوأ من استخدامه في سوريا وفي المدرسة! كنت الوحيدة الّذي تحمل اسم “لبنى” في المدرسة، طبعاً الاصدقاء سيستخدمون الفرصة لاطلاق اسم جديد عليّ يحبّونه جداً وأظنّ أنّ الجميع يعشقه وهو “لبنة”! منذ تلك الفترة كرهت اسمي، لكن الآن الحال أفضل بكثير”.

“لا تتعوّدين حقيقةً على الغربة، وتكون أقسى حين يكون هناك خوف دائم من فقدان الأهل أو البيت الّذي يمكن أن نعود اليه يوماً. لكن لا شيئ يعلو فوق غريزة الحياة. تعلّمت اللّغة الفرنسيّة، وأكملت دراستي في مجال كنت أحلم الدخول فيه، وهو مجال التواصل أو الصحافة”.

“هذا النّوع من التجربة أجبرني في مكانٍ ما على تغيير أو إعادة برمجة العديد من المبادئ الّتي كنت أرفض التخلّي عنها في سوريا، أمور بسيطة كاللّبس، تنظيم الوقت… طبيعة الحياة اليوميّة يفرض علينا هذا التغيير، بالاضافة الى شكل وطبيعة العلاقات البشرية والصداقات، وطريقة تعاطي النّاس معك. هناك نوع من المسافة والحياة الشخصيّة المحترمة دائماً هنا، وهذا كان أمر جديد بالنسبة اليّ، حيث تربيت في جوّ العائلات العربية، والصداقات الحميمة والقريبة جداً”.

خلال هذا الحديث دخلنا الى سوبرماركت لشراء بعض الحاجات لناكلها، فوقفت لبنى ونظرت الى الخضار ضاحكةً مشيرةً الى الخيار. “أسوأ الأمور هو أنني لا أعرف كيف أطبخ، وأولى الصدمات الّتي تلقيتها عنما وصلت الى هذا المكان هو نوعيّة (وقياسات) الخضار والفاكهة!” كان الموقف مضحك جداً، خصوصاً وأنّ لبنى كانت واقفةً أمامي، حاملةً خيارة بقياس 30 سنتم، ملفوفةً بالنيلون! لكن الاشتياق الى أكل البيت الطازج، وطبخ الأمّ بدا واضحاً، وهو أمر طبيعي نسبةً الى شخصٍ لم يغيّر مرّةٍ في حياته عن نوعيّة هذا الأكل، والى شخصٍ لا يطبخ.

“أسوأ الأمور هو أنني لا أعرف كيف أطبخ، وأولى الصدمات الّتي تلقيتها عنما وصلت الى هذا المكان هو نوعيّة (وقياسات) الخضار والفاكهة”

لم تكن فكرة المجيئ الى بلد يتكلّم اللغة الفرنسيّة واردة لدى لبنى، خصوصاً وأنّها أكملت دراساتها العليا في الادب الانكليزي. كانت مشاكل الفيزا تكبر وبين ليلةٍ وأخرى انتهى بها المطاف في مدينة ليون الفرنسيّة. “أحبّ هذه المدينة. مدينة هادئة، مليئة بالطّلاب والشباب، ليست زاحمة كباريس وليست قرية صغيرة. الحياة الليليّة، والسهر جميل هنا. في إحدى المرّات كنّا واقفين خارج البار، نتكلّم باللّغة العربيّة مع بعض الاصدقاء. فمرّ شخصٍ بجانبنا وبدأ يستمع لحديثنا، ليسألنا في النهاية إذا كنّا نتكلّم اللّغة “السوريّة” وكأنّها لغة خاصّة بالسوريين لا تمتّ للّغة العربيّة بصلةٍ!” “صحيح أنّ “المنزل” في مكانٍ آخر، ولا شيء يعلو فوق وجع الفراق، لكن أظنّ أنّه لا يمكنني أن أعود الى سوريا يوماً، خصوصاً بعدما تعوّدت على طريقة الحياة هنا المختلفة جداً عن الحياة في سوريا”.

بالنسبة الى لبنى الحياة في ليون أسهل، منظّمة أكثر. يوميّاتها هنا تختلف بشكلٍ كبير عن اليوميّات السوريّة. “مهما فعلت في سوريا، ومهما كان نهاري “مشغول” يبقي دائماً لديّ الوقت الزائد و”الفاضي” الّذي لا أفعل فيه أيّ شيء. بينما هنا، الحياة مليئة بالامور المختلفة، والنشاطات الجديدة الّتي لم تكن موجودة حولنا في سوريا”

اللغة العربيّة بقيت جزأً مهماً جداً من حياتها، وهذه أحد الأمور الّتي ترتاح فيها كثيراً وتحبّها. “لم انتقل وحدي الى فرنسا، بل انتقل معي العديد من الأشخاص السوريين، ونتكلّم مع بعض لغتنا. في الأوّل، لقاء هؤلاء الاشخاص كان أمراً غريباً بالنسبة اليّ لأنّه كان هناك نوع من الوحدة لكلٍ منّا، آملين بالعودة الى وطننا والى أصدقائنا. لكن لاحقاً تأقلمنا وبنينا صداقة جميلة جداً، خصوصاً على الصعيد الوطني، حيث بدأت أن أكتشف من خلالهم أمور جديدة وتقاليد مختلف المناطق السوريّة لم أكن على علمٍ بها سابقاً”

انتهى بنا المطاف ذلك اليوم بالقيام بالتبضّع سوياً، في محلّات لم نكن نعرف بوجودها أصلاً. عدت الى لبنان وبقيت لبنى في فرنسا، مهاجرة سوريّة تتعلّم وتحاول أن ترسم طريق جديد لا يشبه كثيراً ذلك الّذي رسمته في سوريا. “أحبّ أن أجلس على ضفّة النّهر، وكأنّه مكان سرّي يخفيني عن الأعين لبعض الوقت. كما أنّ المنظر جميل جداً من هنا خصوصاً في فصل الصيف. لكنّ الجلوس بقربه لن يرجع اليّ رائحة البحر في سوريا”

(Visited 40 times, 1 visits today)